الشوكاني

154

فتح القدير

الجبال ، وقيل هي النجوم ، لأن من النجوم ما يهتدى به ، ومنها ما يكون علامة لا يهتدى بها . وذهب الجمهور إلى أن المراد في الآية الاهتداء في الأسفار ، وقيل هو الاهتداء إلى القبلة ، ولا مانع من حمل ما في الآية على ما هو أعم من ذلك . قال الأخفش : ثم الكلام عند قوله وعلامات ، وقوله ( وبالنجم هم يهتدون ) كلام منفصل عن الأول ، ثم لما عدد الآيات الدالة على الصانع ووحدانيته وكمال قدرته أراد أن يوبخ أهل الشرك والعناد فقال ( أفمن يخلق ) هذه المصنوعات العظيمة ويفعل هذه الأفاعيل العجيبة ( كمن لا يخلق ) شيئا منها ولا يقدر على إيجاد واحد منها ، وهو هذه الأصنام التي تعبدونها وتجعلونها شركاء لله سبحانه ، وأطلق عليها لفظ " من " إجراء لها مجرى أولى العلم جريا على زعمهم بأنها آلهة ، أو مشاكلة لقوله " أفمن يخلق " لوقوعها في صحبته ، وفى هذا الاستفهام من التقريع والتوبيخ للكفار ما لا يخفى ، وما أحقهم بذلك ، فإنهم جعلوا بعض المخلوقات شريكا لخالقه - تعالى الله عما يشركون - ( أفلا تذكرون ) مخلوقات الله الدالة على وجوده وتفرده بالربوبية وبديع صنعته فتستدلون بها على ذلك ، فإنها لوضوحها يكفي في الاستدلال بها مجرد التذكر لها ، ثم لما فرغ من تعديد الآيات التي هي بالنسبة إلى المكلفين نعم قال ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) وقد مر تفسير هذا في سورة إبراهيم ، قال العقلاء : إن كل جزء من أجزاء الانسان لو ظهر فيه أدنى خلل وأيسر نقص لنغص النعم على الإنسان ، وتمنى أن ينفق الدنيا لو كانت في ملكه حتى يزول عنه ذلك الخلل ، فهو سبحانه يدير بدن هذا الإنسان على الوجه الملائم له ، مع أن الإنسان لا علم له بوجود ذلك فكيف يطيق حصر بعض نعم الله عليه أو يقدر على إحصائها ، أو يتمكن من شكر أدناها ؟ يا ربنا هذه نواصينا بيدك خاضعة لعظيم نعمك معترفة بالعجز عن بادية الشكر لشئ منها ، لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ، ولا نطيق التعبير بالشكر لك ، فتجاوز عنا واغفر لنا وأسبل ذيول سترك على عوراتنا فإنك إن لا تفعل ذلك نهلك بمجرد التقصير في شكر نعمك ، فكيف بما قد فرط منا من التساهل في الائتمار بأوامرك والانتهاء عن مناهيك ، وما أحسن ما قال من قال : العفو يرجى من بني آدم * فكيف لا يرجى من الرب فقلت مذيلا لهذا البيت الذي هو قصر مشيد : فإنه أرءف بي منهم * حسبي به حسبي به حسبي وما أحسن ما ختم به هذا الامتنان الذي لا يلتبس على إنسان مشيرا إلى عظيم غفرانه وسعة رحمته فقال ( إن الله لغفور رحيم ) أي كثير المغفرة والرحمة لا يؤاخذكم بالغفلة عن شكر نعمه ، والقصور عن إحصائها ، والعجز عن القيام بأدناها ، ومن رحمته إدامتها عليكم وإدرارها في كل لحظة وعند كل نفس تتنفسونه وحركة تحتركون بها . اللهم إني أشكرك عدد ما شكرك الشاكرون بكل لسان في كل زمان وعدد ما سيشكرك تعالى الشاكرون بكل لسان في كل زمان ، فقد خصصتني بنعم لم أرها على كثير من خلقك ، وإن رأيت منها شيئا على بعض خلقك لم أر عليه بقيتها ، فأنى أطيق شكرك وكيف أستطيع بادية أدنى شكر أدناها فكيف أستطيع أعلاها ؟ فكيف أستطيع شكر نوع من أنواعها ؟ ثم بين لعباده بأنه عالم بجميع ما يصدر منهم لا تخفى عليه منه خافية فقال ( والله يعلم ما تسرون ) أي تضمرونه من الأمور ( وما تعلنون ) أي تظهرونه منها ، وفيه وعيد وتعريض وتوبيخ ، وتنبيه على أن الإله يجب أن يكون عالما بالسر والعلانية لا كالأصنام التي يعبدونها ، فإنها جمادات لا شعور لها بشئ من الظواهر فضلا عن السرائر فكيف يعبدونها ؟ .